كيف يحدث الإدمان؟

فهم كيفَ يَستجيب الدماغ للمكافآت الطّبيعيّة، وتعاطي المُخدّرات
A+ A-
محتوى المقال

الثّواب الدماغيّ 

"فهم كيفَ يَستجيب الدماغ للمكافآت الطّبيعيّة، وتعاطي المُخدّرات".

يحتلّ الدّماغ، مكانة مركزيَّة في كينونتنا، فهو مَصدر كل ما نَشعر به أو نفعله، إنه يعالج المعلومات الآتيَة من العالم الخارجيّ، مثل شمّ الطعام، والآتية من داخِل الجسم، مثلَ الإحساس بالجوع.

يصبحُ الدماغ بعدَ استفادتِه من جميع تلك المعلومات، قادراً على اتخاذ استجابة مناسبَة، يحثّ على سلوك يعيننا في معركة البقاء – مثل الحصول على شيء لأكله.

يوجد عَميقاً في الدّماغ مجموعة من البُنى التي نسميها الجهاز الحوفيّ limbic system (اللمبي).

يوجدُ الجهاز الحوفيّ تحتَ القشرة، وهي الطبقَة الخارجيّة للدماغ. يشكل الجِهاز الحوفيّ بحسب التعابير الارتقائيّة، مجموعة قديمة تماماً عند مُقارنته بالقشرة.

يساعدُ الحُصين hippocampus (الهيبوكامبوس) وهو أحد بُنيات الجِهاز الحوفيّ، على تَشكيل الذكريات وعلى التعلّم. وتُسهم اللوزة Amygdala في تكوّن العَواطف. 

وللجسم المُخطط، دور جَوهري في تَشكيل عادات السُّلوك النمطيّة، التي نتجه لأدائها دون تَفكير – وتتعامل مع الثّواب.

يضمّ الجهاز الحوفيّ حلقَة، أو سَبيل الثّواب الدّماغي، وتشملُ حلقَة الثواب عدداً من البُنيات الدماغية التي تتحكّم وتنظّم مَقدرتنا على الشُّعور بالبهجَة.

يحفّزنا الشُّعور بالبهجة على إعادَة السُّلوك، مثل الأكل، أو الأفعال الأخرى، الضّروريّة من أجل بقائنا على قيد الحياة، بينما تنشّط المكافأة (أو أي شيء مُرتبط بالمكافأة) خلايا موجودة في المنطقَة البطينيّة السقيفيّة (أو VTA اختصاراً)  كائنة في الدماغ المتوسّط. وهذا يُطلق سِلسلة من الاستجابات تجاه تَنشيط حلقة الثّواب.

كلما طالت تَغصّنات خلايا المنطقَة البطينيّة السقيفيّة، دخلت في منطقَة اسمها الجسم المخطط البُطيني (أو VS). وسَريعاً ما تصل هذه الخلايا، إلى جُزء رئيسيّ من الجسم المُخطط البُطيني اسمه النّواة المُتكِئة. نُسمى النواة المُتكئة عادةً بمركز البَهجَة الدماغي.

تولّد كل خليّة عندَ تَنشيطها، إشارَة كَهربائيّة. وهذه الإشارَة الكهربائيّة تتسبّب بأن تُطلق الخليّة، جُزيئات الناقِل العصبيّ والتي تعمَل على شَكل مراسيل كيميائيّة تستقبلُ خلايا أخرى، هذه المَراسيل الكيميائيَّة. هذه هي الطريقة، التي تتّصل بها الخلايا مع بَعضها بعضاً، في حَلقَة التنشيط العصبي. 

يملكُ الدماغ، العديد من النواقِل العصبيّة المختلفَة، والتي تُؤدّي العديد من الوَظائِف. 

نُطلق على الفَجوة الصَّغيرة المَوجودة بين الخليّتين المُرسلَة والمُستقبلة اسم المَشبَك. اسم الخليّة التي تُرسل الرسالة قبل المَشبك، والخليّة المستقبلة اسمها خلف المَشبك. تتسبّب الإشارَة الكهربائية، بتغييرات في الخليّة قبل المَشبك. 

تُهاجر بَعض الرُّزم الصغيرَة أو الحويصِلات التي تُخزّن الناقِل العصبي إلى الغشاء الخلوي، لتندمِج معه وتنفتِح وتُطلق جُزيئات الناقِل العصبي في المَشبَك. 

في سَبيل الثّواب، تحرِّر خَلايا الدوبامين العصبيّة ناقل الدوبامين العَصبيّ. تندفعُ جُزيئات الدوبامين المُنطلقة عبرَ المَشبَك، ثمّ ترتبط مع بروتينات اسمها مُستقبلات الدوبامين على سَطح الخليّة المُستقبلة.

 تخترقُ هذه المُستقبلات غشاء الخليّة المُستقبلة، بحيثُ يكون جزءٌ منها داخل الخلية، والجزء الآخر خارجها.

بعدما  يرتبط الدوبامين مع الجزء الخارجي من المُستقبل، (بشكلٍ يُشبه دخول المفتاح في القِفل) يحرِّض ذلك على بدء سلسلَة من الأحداث داخل الخلية المُستقبلة.

تتصلُ بروتينات أخرى مع الجُزء الداخلي من المُستقبل. تحمل الإشارة باتجاه الداخِل ضمنَ الخليّة.

عندما يكونُ هناك فائض من الدوبامين ومع انزياح تلك الجُزيئات عن المُستقبلات، تُصبح حرّة في المَشابك من جديد. يعود بعض الدوبامين الدخول إلى الخليّة المُرسلة باستخدام بروتين خاص، اسمه ناقِل الدوبامين موجود على غِشاء الخلية المُرسلة. وبعودَة جُزيئات الدوبامين هذه، إلى داخِل الخليّة، يُصبح الآن بالإمكان إعادة تحريرها.

يوجد في الدماغ المُعافى، دائماً كَميّة مُعتدلَة من الدوبامين في الحيّز المشبكي، حتى في حال غِياب المُنبّه الثوابيّ.

عند التعرّض لمكافأة (مثل الطّعام) تُطلق الخليّة قبل المَشبك، كميّة أكبر من الدوبامين على شكل دفقَة مُفاجئة. تقوم نواقِل الدوبامين بعد ذلك، بسحب الكميّة الزائِدة من الدوبامين بسرعة، لتعيدها إلى مُستواها الأصلي.

يُساعد تدفقُ الدوبامين "استجابةً للمكافآت الطبيعيّة" الدماغ على تعلم العالم المُعقد، والتكيّف معه، والتماشي معه. تحدثُ الدورة الطبيعيّة، لتحرُّر الدوبامين في الجسم المخطط البُطيني، ما يُنشّط كامل الجسم المُخطّط والجهاز الحوفي. يترك تَنشيط سَبيل الثواب تأثيرات شَاملة، على كامل الدماغ.

يمتدّ سبيل الثواب ابتداء من الجسم المخطط البُطيني، إلى القشرة الجبهيّة الأماميّة. تُعزز القشرة الجبهيّة الأماميّة، قدرتنا على التفكير والتّخطيط، وحلّ المشاكل واتخاذ القَرارات. يُؤثر جهاز الثّواب، على الجهاز الحوفي، وعلى مناطِق من القشرة التي تُعالج المعلومات الحسيّة، والحركيّة.

كما يُؤثّر تنشيط جهاز الثواب على المُخيخ، الموجود في مُؤخرة الدماغ، ما يُؤثر على تَناسُق الحركات والانتباه.

يتركُ التنشيط الطبيعي لجهاز الثواب تأثيراً جسديّاً على الدماغ، ليقوم بتعيين مُنبهات مُعيّنة، كمنبّهات تُشبع الاحتياجات البيولوجيّة، مثل الطعام. وتجعلنا راغبين بإشباع هذه الاحتياجات، عن طريق البحث عن تلك المُكافآت. بعدَ أن يقوم الدماغ بالربط بين المُنبّه والمكافأة، مُجرد رؤية المُنبّه يمكن أن تُحرض تدفُّق الدوبامين في جهاز المُكافأة.

عندما يتعاطى شخصٌ الكوكايين لأول مرّة، يدخُل المُخدّر إلى الدماغ بسرعة، حيث يقوم بحَصر نواقِل الدوبامين على الخلية قبلَ المَشبك.

ولأن الدوبامين لا يعود بمقدوره أن يرجع إلى الخليّة قبلَ المَشبك، يبدأ بالتراكم في المَشبك، ليصل إلى مُستويات عالية على نحوٍ شاذّ، ليبقى هُناك لمدة أطول بكثير منَ المُعتاد.

تُصبح الخليّة خلف المَشبك مُفرطة التنشيط، مما يؤدي للإحساس بالنشوَة. وهذا يعطي ارتباطا قويا جداً بين تعاطي الكوكايين والبهجة، مما يجعل الشخص يرغب بتكرار تجربة تَعاطي المُخدّر.

عندما يَتعاطى شَخصٌ الميثامفيتامين لأول مرّة، يدخل المخدر بسرعَة إلى الدماغ.  يحصرُ الميثامفيتامين بجرعَة مُنخفضَة عودة دُخول الدوبامين إلى الخليّة قبل المَشبك، كما في الكوكايين.

لكن على خلاف الكوكايين قد تزيد الجَرعات المُرتفعة من الميثامفيتامين إطلاق الدوبامين من الخلية، ما يُؤدي لازدياد الدوبامين في المشبك أكثر فأكثر، حيث يُصبح مُحتجزاً لأن الميثامفيتامين يمنع النواقِل من سحبه. 

بسبب بَقاء الكثير جداً من الدوبامين في المَشابك لفترة زمنيّة طويلة، تتنشّط الخليّة خلف المشبك لمُستويات عالية خطيرة. 

الأمر الذي يتسبّب باختبار المُتعاطي لشُعور نَشوة قوي، ما يجعل الميثامفيتامين مادة مُسببة للإدمان بشدّة

يملك الكوكايين والميثامفيتامين عقابيل بالغة على الدماغ، تغيّر المُخدرات الطريقة التي يتواصل بها مَركز الثواب، مع أجزاء الدماغ الأخرى، الأمر الذي يُؤثر على الانفعالات، والحركة والعقلانية، واتخاذ القرارات. ويمكن للتعاطي المتكرر، والمتواصل لهذه المُخدرات أن يُغيّر التّشابك القائم في أنحاء الدماغ. 

وتؤدي هذه التغيّرات، في نهاية المطاف، إلى منع المتعاطين مدة طويلة من الشّعور بنفس النشوَة التي اختبروها عند تعاطيهم المُخدر أول مرة. وسيحتاجون بدلاً من ذلك تعاطي المُخدر فقط ليشعروا أنهم طبيعيون، ويشعرون أنهم مُجبرون على تعاطيه مهما كانت النتائِج. يحدث هذا عندما يُصبح التعاطي لفترة طويلَة إدماناً. 


  • اسم الناشر: فريق واعي
  • ترجمة: د. محمد عبد الجواد
  • مراجعة: أ. سناء الوادي
  • تاريخ النشر: 16 يونيو 2021
  • عدد المشاهدات: 546
  • عدد المهتمين: 106
  • الاكثر قراءة
  • اخترنا لك