الخطوة الرابعة: الصدق هو أفضل طريق

اعترفت أمام نفسي أنني كنت عاجزا عن ترك الإدمان وحدي، وأنني أحتاج إلى المساعدة. و كانت هذه هي الانفراجة الرابعة، حيث كنت صادقًا مع نفسي، ومع الآخرين ممن يهمهم أمري.
A+ A-

هذه هي المقالة الرابعة، من مجموعة مقالات "الخطوات السبعة للشفاء من إدمان الإباحية".

يكمل أليكس، وهو معالج غربي لهذا النوع من الإدمان، ومتعاف سابق: أصعب جزء في الانفراجة  الثالثة لي، كانت قدومي إلى من يدعمني والذي عاهدته على أن أقلع عن الإباحية.

فقد اتضح لأليكس أن حياة الإنحلال التي عاث فيها، والزنا الذي قاده ذلك إليه، هو شيء مهلك له، فهذا لديه بعض العقل مع كثير من الهوى، ومع ذلك علم به أنه على باطل، فما بال المسلم وهو لديه الحق كله في دينه، والهدى والنور؟

يكمل أليكس : كنت أعرف مقدار الألم الذي يسببه إدماني لمن حولي، وأنا كنت غارقًا فيه. لكنني أيضا وقتها لم أرد التفكير في أي طريقة أخرى. ذات مرة لم أكن أشاهد هذا الفساد، وجائتني الخواطر، لأنظر في أشياء أخرى تحوي صورًا غير منضبطة أيضًا. إن المدمن من فكر سيء لأسوأ بسبب ما أوصل نفسه إليه. كنت قد شعرت بالتعب من كل ذلك، فقررت اللجوء إلى أحد المعارف، والالتزام أمامه، بالإقلاع عن هذه العادة السيئة. وكان سعيدًا جدا بالتقدم الذي حققته.

في هذه الليلة، اتخذت خطوتي الأولى باشتراكي في مجموعة إرشادية للتخلص من هذا الإدمان، واعترفت أمام نفسي أنني كنت عاجزا عن ترك الإدمان وحدي، وأنني أحتاج إلى المساعدة. و كانت هذه هي الانفراجة الرابعة، حيث كنت صادقًا مع نفسي، ومع الآخرين ممن يهمهم أمري.

حقا إن الصدق مع الله، هو الأصل، فالصدق نجاة وخير، وعاقبة الصدق خير،  قال تعالى: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ)محمد – الآية 21. والصدق مع الله يكون بإخلاص الأعمال له، فإنك حين تترك هذا الإدمان السيء، يكون هدفك الأول، هو إرضاء الله والخشية منه، ورجاء محبته، ثم يأتي بعد ذلك أي هدف آخر في العمل، والحياة، والعلاقات وهي في حد ذاتها مرتبطة برغبتك في طاعة المولى عز وجل. إذا علم الله عز وجل هذا منك، أعانك وسددك ووفقك من حيث لا تدري. بالتأكيد أنت حاولت كثيرا من قبل، فعليك الآن بالصدق مع الله.

في صحيح النسائي عن شداد بن الهاد الليثي: أنَّ رجلًا مِنَ الأعرابِ، جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فآمنَ بِهِ واتَّبعَهُ.

ثمَّ قالَ:

أُهاجرُ معَكَ

 فأوصى بِهِ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- بعضَ أصحابِهِ، فلمَّا كانَت غزوةٌ غنمَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- سبيًا، فقسمَ وقسمَ لَهُ، فأعطى ما قسمَ لَهُ، وَكانَ يرعى ظَهْرَهُم، فلمَّا جاءَ دفعوهُ إليهِ.

فقالَ: ما هذا؟

قالوا: قَسمٌ قَسمَهُ لَكَ النَّبيُّ، صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فأخذَهُ. فجاءَ بِهِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقالَ: ما هذا؟

قالَ: قَسمتُهُ لَكَ.

قالَ: ما علَى هذا اتَّبعتُكَ، ولَكِنِّي اتَّبعتُكَ على أن أرمى إلى ههُنا، وأشارَ إلى حَلقِهِ بسَهْمٍ، فأموتَ فأدخلَ الجنَّةَ.

فقالَ: إن تَصدقِ اللَّهَ يَصدقكَ.

فلبِثوا قليلًا، ثمَّ نَهَضوا في قتالِ العدوِّ، فأتيَ بِهِ إلى النَّبيُّ يحملُ، قَد أصابَهُ سَهْمٌ حيثُ أشارَ، فقالَ النَّبيُّ: أَهوَ هوَ؟

قالوا: نعَم.

قالَ: صدقَ اللَّهَ فصدقَهُ، ثمَّ كفَّنَهُ النَّبيُّ في جبَّته، عليه الصلاة والسلام، ثمَّ قدَّمَهُ فصلَّى علَيهِ. فَكانَ فيما ظَهَرَ من صلاتِهِ: اللَّهمَّ هذا عبدُكَ خرجَ مُهاجِرًا في سبيلِكَ، فقُتلَ شَهيدًا، وأَنا شَهيدٌ على ذلِكَ.

اللهم اجعلنا من الصادقين في الأعمال والأقوال.

ثم يأتي الصدق مع النفس، فالمسلم الصادق يعترف بعيوبه، وأخطائه، ويصححها.

كتب أحدهم: يظل بعض الأشخاص، وعلى مر السنين كما هم، لديهم قناعة، بأنهم ليسوا بحاجة إلى أي تعديل، أو تغيير في أفكارهم، وسلوكياتهم، وعاداتهم، والمقصود هنا: التغيير الإيجابي، وموقفهم هذا ينطلق من مبدأ أنهم أفضل من غيرهم، لأنهم يعتقدون أنهم يسيرون في حياتهم على الطريق الصحيح، وليس هناك ما يجبرهم على تغيير نمط التفكير. إن أهمية أن يعيد الإنسان النظر في أفكاره، وعاداته، وأن ينفتح على رؤى وتجارب، وقراءات جديدة لا تنبع من أن التغيير، مطلب من الآخرين، بقدر ما سيجلبه التغيير من سعادة وسلام للشخص نفسه وقدرة على تحقيق الأفضل في الحياة.

هل تذكرون كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ الذي تخلف عن غزوة تبوك, والذي أنزل الله في حقه قرآناً فقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة التوبة الآية:118] 

لقصة هذا الصحابي الجليل؟ مغزى عميقاً، لا شك أنكم تعلمون هذه القصة، ولكن سأقف عند فقرة صغيرة منها؛ هي لبها ومغزاها. في جزء من الرواية جاء:

فقال كعبُ بنُ مالكٍ: فلما بلغني أنَّ رسولَ اللهِ ،صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قد توجَّه قافلًا من تبوكَ، حضرني بثِّي. فطفقتُ أتذكَّر الكذبَ وأقول : بم أَخرجُ من سخَطِه غدًا؟ وأستعينُ على ذلك كلَّ ذي رأيٍ من أهلي. فلما قيل لي: إنَّ رسولَ اللهِ ،صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قد أظلَّ قادمًا، زاح عني الباطلُ. حتى عرفتُ أني لن أنجوَ منه بشيءٍ أبدًا. فأجمعتُ صدقةً. وصبَّح رسولُ اللهِ ،صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قادمًا. وكان، إذا قدِم من سفرٍ، بدأ بالمسجدِ فركع فيه ركعتَين. ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المُخلَّفون. فطفِقوا يعتذرون إليه. ويحلِفون له. وكانوا بِضعةً وثمانين رجلًا. فقبِل منهم رسولُ اللهِ ،صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، علانيتَهم. وبايعَهم، واستغفرَ لهم. ووكَل سرائرَهم إلى الله

. حتى جئتُ . فلما سلمتُ ، تبسَّم تبسُّمَ المُغضَبِ، ثم قال:

 "تعالِ".

 فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يدَيه.

 فقال لي: "ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرَك؟".

 "قال، قلتُ : يا رسولَ اللهِ! إني، واللهِ ! لو جلستُ عند غيرِك من أهلِ الدنيا، لرأيتُ أني سأخرج من سَخَطِه بعُذرٍ. ولقد أعطيتُ جَدلًا. ولكني، واللهِ! لقد علمتَ، لئن حدَّثتُك اليومَ حديثَ كذبٍ ترضَى به عني، ليوشِكنَّ اللهُ أن يُسخِطَك عليَّ.

 ولئن حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تجِد عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عُقبى اللهِ. واللهِ! ما كان لي عذرٌ. واللهِ! ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنك. قال رسولُ ،اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ”أما هذا، فقد صدق. فقُمْ حتى يقضيَ اللهُ فيك" فقمتُ. (صحيح مسلم).

أي أن هذا الصحابي الجليل، لو أرضى النبي بلسانه، ولم يكن صادقاً خشي أن الله عز وجل سيسخطه عليه.

إننا عندما نصل إلى هذا المستوى من التوحيد، حلت كل مشكلاتنا، ها هو قد رأى أن رضى النبي ،صلى الله عليه و سلم دون أن يرضي الله، لن ينجيه.

فأنزل الله فيه آيات تخلد صدقه أبد الدهر:  (لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ   ( 118 ) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ( 119 ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة 117-120.

اللهم اجعلنا مع الصادقين و منهم، آمين.

 

  • اسم الناشر: فريق واعي
  • ترجمة: د.محمد عبد الجواد
  • مراجعة: أ.سناء الوادي
  • تاريخ النشر: 24 يونيو 2021
  • عدد المشاهدات: 260
  • عدد المهتمين: 40
  • الاكثر قراءة
  • اخترنا لك