الخطوة السادسة: املأ فراغك الداخلي

إنه من المؤسف حقاً، أن يشعر الإنسان بأنه في هذه الحياة، لا دور له، وكأنه خلق لغير غاية، مما يترتب عليه الشعور بالملل والسآمة. وأحياناً يصل به الحال إلى أن يفكر في التخلص من الحياة كلها، وهذا كله بسبب الضياع والتيه، والفراغ القاتل.
A+ A-

هذه هي المقالة السادسة، في سلسلة مقالات "الخطوات السبعة للشفاء من إدمان الإباحية".

يكمل أليكس، وهو معالج غربي لهذا النوع من الإدمان، ومتعاف سابق: رغم أنني كنت على ما يرام، إلا أن  هناك شيءٌ واحدٌ كان يزعجني، ولا أستطيع تحديده. كان هناك شعور بوجود فراغ بداخلي، و لم أكن أعرف كيف أملأ هذا الفراغ.

منذ ذلك الحين، كنت أناضل للإجابة عن  هذا التساؤل: "ما الذي يمكنني استخدامه لملء هذا الفراغ في داخلي؟"، ولم أستطع أن أجد جوابا.

قبل نحو شهر اشتريت بالصدفة  كتابا كان حوالي 115 صفحة و يحمل عنوان "الممارسة العقلية" وأذكر أنني قد حصلت منه، على كثير من الملاحظات الإيجابية، لسبب بسيط، لأن هذا الكتاب أجابني على السؤال الكبير، الذي لم أجد جوابا عنه في مئات الكتب الأخرى، حيث كانت الإجابة بسيطة جدا.

 الآن أقول: أن مشاكلي جاءت أساسا، من تركيزي على النتائج، وليس على العمل من أجل حل المشاكل. فكان سعيي الدائم للتركيز على المزيد والمزيد من النتائج دون إعطاء اهتمامي بما أعمله. والتركيز فيه دون ملل، كان سببا في صنع شعور بالفراغ، وعدم الرضا المستمر.

علمت أنه يجب أن أركز، على وجود الهدف الشخصي السليم، مثلما أركز على عمل ما هو سليم، وكانت هذه هي الانفراجة السادسة.

وهنا يشير أليكس إلى شيء مهم جدا، وهو ذاك الشعور الداخلي المخيف، بالفراغ الذي يشعرون به، بسبب أنهم كفروا بالله سبحانه وتعالى، تلك هي الحقيقة التي تغيب عنهم، فيبحثون بعيدا عن العلاج الفعلي لهذا الشعور المخيف، بغير هدى، فاللهم اهدنا وإياهم.

و للعلم فإن شيئا من هذا الشعور، ينتابنا عند المعصية إذا ابتعدنا عن الله. لدى كل منا الشعور، بأن هناك شيئا داخلنا نحتاج أن نملأه، إنها الروح.

 طبعًا أليكس في المثال، لم يصل إلى أنها الروح، وأن هذا الشعور الداخلي بالفراغ، لا شيء يسده ويملؤه، مثل القرب من الله، والإيمان به، ومحبته، والأنس به.

 هو وإن كان وصل لما يشغل وقته، أو وصل إلى هدف دنيوي، إنما مازال صاحب روح خاوية.

أما نحن المسلمون، فبفضل الله لدينا الزاد والطريق، من المولى سبحانه.

يقول الله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) طه – الآية 124.

والضنك الموجود فى الآية، مرتبط بالروح. فكما أن للجسد غذاء يعينه على البقاء، والاستمرار. وإذا زاد أو قل أو تناوله الإنسان بطريقة غير صحيحة، فإن قوانين الجسد تختل، فتصيبه الأمراض والعلل. كذلك الروح، فإن للروح غذاء إن قل أو انعدم حدث للروح الإضطراب والخلل، وأصيبت بالضنك الذى يجمع كثيرا جدا من الأمراض، أقلها الضيق والحيرة، والملل، مرورا بالضغط، والتوتر العصبي، إلى أن ينتهى المطاف بصاحب تلك الروح، إذا استمر في تيهه وضلاله، إلى اليأس من رحمة الله وأن يصاب بالجنون، أو يقوم بالانتحار كفرًا بالله، والعياذ بالله سبحانه.

إنه من المؤسف حقاً، أن يشعر الإنسان بأنه في هذه الحياة، لا دور له، وكأنه خلق لغير غاية، مما يترتب عليه الشعور بالملل والسآمة. وأحياناً يصل به الحال إلى أن يفكر في التخلص من الحياة كلها، وهذا كله بسبب الضياع والتيه، والفراغ القاتل، رغم أننا الأمة الوحيدة، التي وضع لها مولاها برامج تنظم حياتها كلها على مدار الساعة، بل إن الواجبات لديها أكثر من الأوقات، وسبب ذلك كله إنما هو سوء التوجيه، وانعدام القيادة الواعية، وفقدان التربية المرشدة، الهادفة الموجهة. فمع الأسف هذه حال مجموعة من الناس، نسأل الله العافية.

رغم هذا، فالمسلم الصادق الواعي، لا يعرف اليأس، ولا يجوز له أن يستسلم لهذا الواقع المؤلم. وإنما يجب عليه أن يسعى في إنقاذ نفسه، بشتى الوسائل الممكنة، خاصة وأن الطريق مرسوم، رسمه لنا الإسلام منذ أيامه الأولى، ولذلك تعال نبدأ.

أولًا:

أولى الخطوات، ضرورة الشعور الصادق بالحاجة إلى التغيير، فهذا أهم عامل من عوامل العلاج والنجاح، وهو الشعور الصادق بالرغبة في التغيير.

ثانياً:

الاستعداد لعملية التغيير، بالأخذ بالأسباب الممكنة، لأن الحق جل وعلا أخبرنا بقوله: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد:11]، فلم ولن يحدث التغيير إلا إذا كنا راغبين فيه، جادين في حدوثه.

ثالثاً:

لابد من دراسة الواقع دراسةً متأنية، وهل أنت فعلاً تعاني من مشكلة حقيقية، أم أن هذا وصف غير دقيق، وبالتالي لا توجد مشكلة؟

 فإذا نظرت في واقع حياتك بدقة، وحللت نظامك اليومي، بطريقة دقيقة. قطعاً ستخرج بنتائج طيبة، تساعدك في تحديد مقدار التغيير، المطلوب إدخاله على حياتك، ونظامك اليومي، من حيث المحافظة على الصلاة في أوقاتها والأذكار والقرآن.

رابعاً:

بعد الشعور الصادق بالرغبة في التغيير، يأتي برنامج التغيير والذي يرتكز على:

·         المحافظة على الصلاة في أوقاتها.

·         تخصيص وقت يومي لحفظ ولو آية واحدة من القرآن، وعدم إهمال ذلك مهما كانت الأسباب، وإن لم يكن فلا أقل من القراءة للقرآن.

·         قراءة بعض الكتب الإسلامية بصفة يومية.

·         المحافظة على الأذكار خاصة في النهار، مع الإكثار من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

·         الاجتهاد في صيام النوافل، مع شيء من قيام الليل، وهذه وصية نبوية وعلاج لمن لم يستطع الزواج.

·         إذا كنت دارسًا، فعليك بتحديد وقت محدد للدراسة والمراجعة، بصفة يومية حتى تصبح المذاكرة عادة، وليست حسب الظروف. عليك أن تضع في اعتبارك التفوق الدراسي، وبذلك تستغل معظم الأوقات في المراجعة.

·         إذا وجدت أي كتاب في تنمية الذات، فسيكون جيداً أن تطلع عليها إن شاء الله. واعلم أخي الكريم أن الفراغ هو سبب هذه المشكلة، فإذا استطعت أن تحسن الاستفادة منه بطريقة جيدة، ترضي المولى، فسوف تكون من أسعد الناس إن شاء الله.

نعيد التذكير، بأن التغيير يبدأ من الداخل، وإذا علم الله صدق نيتك وفقك لكل خير، وشغلك بطاعته، وجعل لك سبلاً كثيرة -لا سبيلاً واحداً- للدعوة إلى دينه، وهداية عباده: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ))[فصلت:33].

 وأنصحك بسماع محاضرات تحض على هذا الأمر، من قبيل محاضرة قديمة للدكتور الداعية، إبراهيم الدويش عنوانها (الرجل الصفر)، وأمثالها من المحاضرات، التي تنمي فيك الإقبال على الدعوة وطلب العلم.

كما لا يفوتنا أن نذكرك بوسيلة ناجعة، وهي الصحبة الصالحة، وحبذا لو كانت في مراكز دعوية إسلامية، أو مراكز لتحفيظ القرآن الكريم، فهناك ستجد الصحبة الصالحة. فمصاحبة المتفوقين تنتج شخصاً متفوقاً، ومصاحبة الكسالى والبطالين، فإنما عاقبتها الإخلاد إلى الأرض، والشعور بالنقص والدونية. والشعور بالغربة والتيه في هذه الحياة.

 فالزم الصالحين، وستجد بعد ذلك فرقاً كبيراً في تذوق الحياة، بل ربما مستقبلاً تشكو فبه ضيق الوقت وعدم اتساعه، لتحقيق أهدافك وطموحاتك الدعوية، والشخصية في هذه الحياة بإذن الله! جرب.. وكما قيل: التجربة خير برهان.

ثم إن اليكس أيضا توصل الی نقطة مهمة حقيقة، من خلال الكتاب الذي قرأه. فرغم أنه لم يصل إلى حقيقة الفراغ الداخلي، الذي كان يشعر به

 ولا كيف له أن يملأه، إلا أننا من الممكن ان نتعلم شيئا مهما، من أهم سبل العلاج، وهو أن تكف عن الشكوی، وتبدأ العلاج.

إن ظللت تشكو، وتشكو، وتقول أنا مدمن للإباحية، أنا لا استطيع أن أتركها، أنا خسرت كل شيء، أنا متعب أنا ……. لن تحل مشاكلك بل ستكبر، و ستتضخم وتزداد.

ركز في العمل، اعمل، اعمل، ثم اعمل.

اعمل على أن يزداد عزمك علی الترك في كل مرة تنتكس فيها، لا قدر الله.

حاول ان تجد طريقة جديدة، للخروج من نفق هذا الإدمان، في كل مرة ترجع فيها إلى الطريق السيء.

ألزم نفسك بشيء جديد، يقربك من الله. فإن كنت تصلي الوتر فقط مثلا، فقل: هذه المرة سأصلي ركعتين بالإضافة إلی الوتر، وإن كنت لا تصلي الفجر، عاهد نفسك أن تبدأ بصلاته. و إن كنت مثلا لا تصوم تطوعًا  فصم، و لو يوما في الشهر، وراقب قلبك، كيف سيكون، بالطبع سيكون أحسن حالا.

وهكذا، إن بدأت بشيء، فلا تتركه. حافظ عليه حتی يصير الخير عندك عادة. واتخذ من كل سقطة، نقطة انطلاق جديدة، للصعود لا للهبوط.

أسأل الله لك كل خير، وأن ينير دربك، ويهدينا و إياكم  إلى السبيل الأقوم، إنه هو الأعز الأكرم القائل: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) الفرقان – الآية 70.

 

  • اسم الناشر: فريق واعي
  • ترجمة: د.محمد عبد الجواد
  • مراجعة: أ.سناء الوادي
  • تاريخ النشر: 24 يونيو 2021
  • عدد المشاهدات: 181
  • عدد المهتمين: 38
  • الاكثر قراءة
  • اخترنا لك