ما هو الأفضل عند بدء التعافي من إدمان الإباحية الامتناع أم التقليل ؟

سؤال مهم في مسار التعافي من الإدمان بشكل عام والإباحية كواحد من أنواع الإدمان : الامتناع أو التقليل؟
A+ A-

سؤال مهم في مسار التعافي من الإدمان بشكل عام والإباحية كواحد من أنواع الإدمان : الامتناع أو التقليل؟

من أكثر القضايا جدلاً في مجال علاج الإدمان الاعتدال ضد الامتناع؛ حيث تنصح كل برامج علاج الإدمان الأمريكية تقريبًا العميل بالامتناع .

 هناك عوامل يجب وضعها في الاعتبار عند المفاضلة بين التقليل أو الامتناع هذه  العوامل هي التي ستحدد أيهما أفضل ، سأستعرض معك هذه العوامل والتي سترشدك في عملية الاختيار بين الإقلاع كلية أو التقليل فحسب.  ، ومن بين العوامل التي يجب وضعها في الاعتبار :

- التحفيز. هناك ميزة كبيرة للاعتدال، وهي أنك قد تكون أكثر تحفزًا للاعتدال عن الامتناع ولسوء الحظ يمكن أن يتحول الاعتدال بالتدريج إلى أمر يتجاوز الحدود (وأحيانا لا يحدث ذلك بالتدريج). وإذا حدث هذا. تستطيع أن تخبر نفسك بأنك تقلل إدمانك، بينما ما تفعله بالفعل هو تقليل إدمانك إلى مستوى أقل، لكنه لا يزال ضارا (أو ربما ليس كذلك أيضًا ) . وأقصد بالاعتدال مستوى من الانخراط ثمنه ليس باهظًا، وسيختلف هذا المستوى باختلاف الأفراد، ويعتمد على عدد كبير من العوامل أما اتباع مستوى أقل من الضرر ( أي تقليل الضرر) فهو تحرك في الاتجاه الصحيح، وهو أفضل من عدم التحرك على الإطلاق، لكنه لا يعتبر اعتدالاً. وهناك خوف شائع من أن يأمل الأفراد ذوو الإدمان الحاد في أن يكون إدمانهم من النوع المعتدل، لا أن يأملوا في أن يقلعوا تماماً عن إدمانهم. ومع ذلك، يختار معظم المدمنين ذوي الإدمان الحاد أن يقلعوا عن إدمانهم، وذلك على الأقل عندما يبدأون العلاج.

 -الظروف:  أؤمن بأنه من الممكن لأي شخص أن يحقق الاعتدال في أي نوع من أنواع الإدمان، إذا توافرت لديه الظروف الصحيحة، لكن من الناحية العملية، قد لا تكون الظروف الصحيحة ممكنة التوفير أو تستحق بذل الجهود، وعلى سبيل المثال، تخيل نفسك تعيش واحدة من أسوأ فترات إدمانك؛ حيث العجز عن مقاومة الشعور بالاشتهاء، وتزايد ثمن الإدمان على نحو مثير. والآن تخيل انضمامي إلى المشهد، وأنت على وشك الانخراط في إدمانك مرة أخرى (فتتناول مشروبًا كحوليا إضافيًا، أو تبدأ في مشاهدة مقطع إباحي . أو تشعل سيجارة إضافية .... إلى آخره ) : فيما أمسك مسدسا محشوا، فأوجهه إلى رأسك، وأقول لك : "أفعلها فتموت". ما احتمالات استمرارك في إدمانك حينها؟ فإذا فعلت، فلن نقول إنك كنت مدمنا؛ بل إنك انتحاريا

يوضح هذا السيناريو وجود عنصر الخيار في الإدمان: فعندما تكون هناك تبعات فورية قوية بما يكفي . يمكن لأي شخص التوقف عن إدمانه أو تقليله، أما في ظل الظروف العادية، فعادة ما يستشير الفرد نفسه بشأن التبعات  فكيف ستكون حدتها فعليا؟ وهل يمكنني تقليلها بشكل ما؟ وهل ستكون التبعات فورية وبالطبع فإن الإجابات  عن هذه الأسئلة واضحة في سيناريو المسدس المحشو بالطلقات. أما في ظل الظروف العادية، فيكون خيار العمل على الإدمان من منطلق الاعتقاد ( الخطأ) يمكنني النجاة من التبعات السلبية هذه المرة " بينما يكون المسدس موجها ناحية رأسك. تكون على علم بأنه لا يمكنك الهرب من التبعات هذه المرة. ولا يعد خيار استئجار قاتل ليتبعك طوال اليوم أينما ذهبت خيارًا عمليا (مع أنه سينجح)، لكن أحيانًا ما يكون غير ذلك من عوامل الحماية سهلة التنفيذ، وكثيراً ما تكون مفيدة في المراحل الأولى من التغيير، وعلى سبيل المثال  " مصادقة شخص ما يدعمك، أو تجنب الأشخاص أو الأماكن أو الأنشطة، أو استبدال المواد المخدرة

أو الأنشطة الإدمانية بغيرها مما لا تعتبر إدمانية : ( فمثلاً امضغ العلكة بدلاً من تدخين السجائر، أو تناول كوبا من العصير بدلاً من كوب من المشروب الكحولي، أو العب الشطرنج   بدلاً من لعب القمار، أو خذ حماما باردًا بدلا من ممارسة الرذيلة).

وقد يصعب على بعض الأفراد تنفيذ عوامل الحماية هذه، فربما ليس هناك رفيق مناسب للأوقات الحرجة أو أن الإغراءات متكررة، أو أن الأصدقاء يحفزون استمرار الانخراط في الإدمان أو أن أساليب التأقلم البديلة لا تزال ضعيفة بالنسبة إليهم فكل هذه المشكلات صعبة بما يكفي للتعامل معها عند الإقلاع، لكنها قد تكون أكثر صعوبة عند محاولة الاعتدال ولعل السبب في تزايد الصعوبة مع الاعتدال أن مشاعر الاشتهاء كثيرا ما تكون أقوى بعد أن ينخرط المدمن في إدمانه قليلاً عنها إذا كان الشخص يعمل منذ البداية على الإقلاع التام.

ومن طرق التعامل مع الشعور بالاشتهاء تنظيم الظروف لتحميك ، وإذا كنت قادرا على أن تعمل هذا على نحو جيد جدا، فربما تؤدي زيادة شعورك بالاشتهاء نتيجة محاولتك الاعتدال إلى زيادة احتمالية عدم النجاح، وذلك بالمقارنة مع الامتناع. وبهذه الطريقة يمكن تشبيه الاعتدال بشرب الماء المالح لري الظمأ فكلما شربت من هذا الماء ، صرت أكثر ظمأ ، إننا نتحكم في أنفسنا إلى درجة كبيرة عن طريق التحكم في الظروف، فإذا لم تستطع أن تفعل ذلك بسهولة، فربما يكون الامتناع هو طريقك للتغلب على الإدمان.

- التحكم في الذات:  لحسن الحظ، بالإضافة إلى التحكم في الظروف، هناك طريق آخر لزيادة التحكم في الذات، يتضمن تقييم أهداف الشخص وقيمه وتطويرها. ولتوضيح مدى صحة هذا، أحتاج إلى شرح حقيقة جديرة بالملاحظة عن الإدمان.

بصرف النظر عن مدى حدة الإدمان، حتى إذا كانت الحالة تبدو ميئوساً منها، لا يزال المدمن مقيدا بدرجة ما بانخراطه في الإدمان. وعلى الرغم من أنه حتى إذا كنا نشعر بالإغراء لوصف هذا المدمن بأنه " خارج عن السيطرة"، فدائماً ما يحكم سيطرته بدرجة ما. على سبيل المثال، تأمل الأم التي تدخن عبوتين من السجائر يوميا، لكنها لا تفعل ذلك أمام أطفالها، أو الرجل الذي يشرب ۱۲ زجاجة من المشروبات الكحولية، لكنه لا يفعل ذلك في العمل، أو لاعب القمار الذي لا يذهب إلى النادي الليلي لأنه بانتظار زيارة والدته له، أو المتشرد الذي لا يسرق من منظمة خيرية (كي يشتري المخدرات) ، أو مدمن الكوكايين الذي يشتهي المزيد، لكنه لن يرهن أملاكه الشخصية للحصول على المزيد من الأموال، أو مدمن العلاقات الجنسية الذي لن يمس أيا من أفراد عائلته.

ويظهر كل من هؤلاء الأفراد درجة من درجات التحكم على الرغم من أنها ليست درجة كافية لمنع حدوث التبعات السلبية للإدمان، ولسوء الحظ، قد تم إغفال هذه الحقيقة بالغة الأهمية في النقاشات التي أجريت عن الإدمان: لأنه "مرض يتسم بفقد التحكم " . وقد استخدم تعريف إدمان الكحول " الذي تعاون على وضعه كل من الجمعية الأمريكية لطب الإدمان والمجلس القومي لعلاج الاعتماد على الكحول والمخدرات في معظم نسخه الحديثة ( ١٩٩٠) مصطلح "فقد السيطرة" بدلاً من مصطلح "ضعف السيطرة ". لكن لا يبدو أن مجال علاج الإدمان في الولايات المتحدة قد تضمن هذا التغيير في العروض التقديمية العامة.

- اتخاذ القرارات:  للامتناع ميزة كبيرة وهي البساطة؛ حيث إنك لن تكون محتاجا إلى اتخاذ القرار بشأن  مرات الانخراط في الإدمان؛ حيث ستتوقف فحسب، كما تتعلق بهذه الميزة ميزة أخرى، وهي أنه بعد شهور من الامتناع يتبدد الشعور بالاشتهاء كلية أو ما يقترب من ذلك، أما إذا كنت تحاول الاعتدال، فلن يتبدد الشعور بالاشتهاء تمامًا، ومع كل شعور بالاشتهاء تتخذ قرارًا جديدًا، ولهذا فإن الامتناع يبسط حياتك.

-  السقطة التالية : فكر في خطورة سقطاتك وانتكاساتك إذا كنت تهدف إلى الاعتدال أو الامتناع؛ فهل هناك فرق بارز بين كل هما؟ قد يكون من الصعب معرفة الإجابة عن هذا السؤال، لكنني سأذكرك باحتمالية أن يكون الشعور بالاشتهاء أقوى إذا حاولت الاعتدال، وأن تلك الصعوبة في التأقلم مع الشعور بالاشتهاء هي التي أتت بك إلى هذه النقطة. فكر كذلك في تبعات سقطتك أو انتكاستك التالية، فإذا كانت شريكة حياتك مستعدة للانفصال عنك، أو أن صاحب العمل مستعدا لفصلك، ألن تجعلك مثل هذه التبعات تسير على الجانب الآمن من الطريق؟ حيث يتضمن حساب الخطر احتمالية الفشل إلى جانب احتمالية حدوثه، وإذا كانت تبعات الفشل كارثية، فإن نسبة الخطر عالية، حتى إذا كانت احتمالية الفشل متدنية. فإذا كنت واقفًا بشكل طبيعي فإنني لا أسقط، أما إذا كنت واقفا بجوار منحدر عمودي كبير خطر، أكون أكثر حذرا من فقداني التوازن، عما إذا كنت واقفًا في منتصف منصة بهلوانية كبيرة. فلا تقف في وضعية تجعلك تسقط من فوق الحافة.

يتغير الإدمان عندما تفهم أن خسائره تفوق فوائده وتفهم ما يمكنك فعله للتغيير  . وإذا كنت بطيئًا في استيعاب حقائق و احتمالات الموقف، فليس مطلوبا من المختص أن يقف صامتا ، فأحيانا ما يمكن لإعادة التصريح بالحقائق والاحتمالات، والتصديق على أولوياتك التى أقررت بها مساعدتك على الوصول إلى لحظة التنوير ، التي تكون وثيقة الصلة باختيار الاعتدال أو الامتناع أو بالقضية الكبرى، وهي التغلب على الإدمان. ومن غير المحتمل للتوصية المتخصصة التي تتعارض مع إدراكك الحقائق والاحتمالات، ناهيك عن أولوياتك، أن تغير رأيك. وإذا لم تقنعك التبعات السلبية للإدمان ( المحتمل أن تكون طويلة المدى) بالامتناع، فكيف للمختص غير المقرب إليك أن ينجح في إقناعك بهذا الاتجاه؟

إن الهدف هو التوقف عن التعرض للتبعات السلبية للإدمان؛ فإذا كان الامتناع سيوصلك إلى هذا القرار الهدف، فمن الأفضل أن تفعل.

إذا كنت تعرف جيدا ما تريده في الحياة حقًا، وما تقدره حقًّا ، فإن الخيارات اليومية تكون أكثر سهولة عليك في اتخاذها. وهناك أيضاً احتمال كبير بأنك ستقرر ، إذا كنت تعرف ما تريد وما تقدر ، أن الإدمان غير مناسب لحياتك؛ لأن الإدمان يتعارض مع الأهداف والقيم طويلة المدى، ولا يمكن للمرء أن يتقن العديد من الأشياء المتضاربة.


  • اسم الكاتب: د. محمد عبدالجواد
  • اسم الناشر: aya gamal
  • مراجعة: د/ محمد عبدالجواد
  • تاريخ النشر: 2 مارس 2023
  • عدد المشاهدات: 1K
  • عدد المهتمين: 98

المصادر

  • الجنس والمخدرات والقمار والشوكولاتة (كتاب عملي للتغلب على حالات الإدمان)المؤلّف:ايه توماس هورفاث
  • الاكثر قراءة
  • اخترنا لك